|
|
|
8. مساحة |
عدد 10677 صفحة الرأي
الأحد 1423-07-01 هـ 2002-09-08 م |
|
مساحة
لا تكتئب |
|
أبو أوس إبراهيم الشمسان |
|
بنيت حياة الانسان على ثنائية متناقضة طرفاها الحياة
والموت، قد يبلغ بمرهفي الإحساس ان يستشعروا أمام هول الموت مدى عبثية
الحياة نفسها، وهو احساس عبر عنه بصدق ابو العلاء:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شادي
فالحياة فيها الحلو والمر، فيها السعادة والشقاء، فيها الفرح والحزن.
ولكن المشكلة التي قد يواجهها الانسان هي الإفراط في طرف من أطراف هذه
الثنائية. فالحزن أمر لا يمكن ان يسلم منه انسان في حياته كلها وهو أمر
طبيعي واستجابة صادقة في دلالتها على سلامة احساسه وهو تعبير عن ملابسات
حياته. فليس لإنسان اذا حزبه الأمر إلا ان يشعر بالحزن والهم والغم. وكل
ذلك أمر طبيعي ولكنه يصير مرضا متى لازم صاحبه فأعاق حركة الحياة عنده
وصرفه عن مجابهة أسباب حزنه ومعالجتها او تقبل تقلب أوضاع حياته تقبلا
حسنا يدخل الرضا الى نفسه والسكينة في فؤاده.
ولعل هذا ما يطلق عليه علماء النفس وأطباؤها مصطلح (الاكتئاب) فالاكتئاب
اسم جامع لما يحس به الإنسان مما يضيق به الصدر ضيقا تضطرب له موازينه
وتضعف به قواه ويصل الى درجة من القنوط يرى الفرار من الحياة نفسها علاجا
شافيا كما بين المتنبي.
كفي بك داء ان ترى الموت شافيا
وحسب المنايا ان يكن أمانيا
ولعل التأمل في حقائق الحياة وتقبلها عند الاكتئاب يساعد في دفعه او
رفعه. ان للإنسان قوى جبارة متى أحسن استغلالها أمكنه ان يعيش ما شاء
الله له ان يعيش في سلام ورضا. ولعل من أهم دوافع الاكتئاب ان نوقن ان
حياة تنتهي بالرمس لا تستحق ان تنتهك النفس. وان من قلة التوفيق ان تشغل
نفسك بالقلق ما دامت أيامك في الحياة معدودة لا تزيد ولا تنقص. وانك
لتعجب من حظوظ الناس من الطبائع التي جبلوا عليها فانك لتجد من تحدق به
الخطوب وتقتحمه شؤون الحياة ولكنك لا تراه إلا صابرا راضيا مبتسما حتى
ليتوهم من لا يعرفه انه أوتي من كل شيء على ما تشتهي نفسه وما يسر خاطره.
وترى من الناس من يجزع لأدنى أمر، ويضيق عطنه بكل شيء، فلا تراه إلا مقطب
الجبين، كاسف البال، مضطرب النفس، وفؤاده هواء، ومتى بلغ الجبن بصاحبه
مبلغه او اختلطت عليه الأمور اختلاطا شديدا ربما أتى من أفعال اليأس ما
يؤدي الى الهلكة وازهاق النفس. |
|