الوقف على المنصوب المنون بالسكون
السؤال:
السلام عليكم.
هل يجوز الوقوف على السكون في الكلمات التي تنتهي بألف حيث يجب الوقف بالألف في مثل (كان شجاعًا), فهل يجوز لي الوقوف على السكون لأقول (كان شجاع)؟
وإذا كان ذلك جائزًا فهل يجوز لنا أيضا أن نقرأ في القرآن في مثل (ورتل القرآن ترتيلا) (ورتل القرآن ترتيل)؟
وإذا كان ذلك غير جائز سواء في القرآن أو الاستخدام العام للغة فهل الضرورة الشعرية تجيز ذلك من أجل الوقوف على قافية ساكنة مثلا؟
الجواب:
القاعدة العامة في لغة العرب في الوقف على منصوب منون أن يختم بألف. ويذهب النحويون إلى أن التنوين (النون الساكنة) أبدلت ألفًا؛ ولكن الرأي المعتمد على علم الأصوات يذهب إلى أن التنوين حذف ومطلت الفتحة تعويضًا عن المحذوف. ومن لغات العرب أن يعامل المنصوب المنون معاملة المرفوع والمجرور فيوقف على الحرف بالسكون، أي تحذف حركته ويحذف تنوينه، وهذه اللغة هي لغة قبيلة (ربيعة)، قال أبو النجم العجلي:
تُكَتِّبانِ في الطَريقِ لامَ أَلِفْ
وجاء في شرح هذا البيت قول البغدادي في (خزانة الأدب، ص35):"فالظاهر أن يقول لامًا وألفًا. وجهه أنه حذف التنوين من الأول من باب الوصل بنية الوقف، وحذف العاطف ووقف على الثاني على لغة ربيعة، وليس في واحد من هذه الثلاثة ضرورة".
ومن ذلك ما جاء في قول الشاعر:
كفي بالنّأي من أسماء كافي
وقد وقف الشاعر هنا بالسكون على لغة ربيعة، جاء في (خزانة الأدب، ص600): "على أنّ الوقف على المنصوب بالسكون لغة، فإن (كافيًا) مفعول مطلق وهو مصدر مؤكِّد لقوله كفى، وكان القياس أن يقول كافيًا بالنصب، لكنّه حذف تنوينه ووقف عليه بالسكون، والمنصوب حقّه أن يبدل تنوينه ألفًا. و(كافٍ) من المصادر التي جاءت على وزن اسم الفاعل، قال المرزوقيّ في (شرح الفصيح): يريد كفى النأي من أسماء كفاية، وهو اسم فاعل وضع موضع المصدر كقولهم: قم قائمًا، وعوفي عافية، وفلج فالجًا. وكان يجب أن يقول كافيًا، لكنّه حذف الفتحة كما تحذف الضمّة والكسرة".
وقال يزيد بن الحكم الثقفي:
فَلَيتَ كَفافًا كانَ خَيرُكَ كُلّهُ وَشَرُّكَ عَنّي ما ارتَوى الماءَ مُرتَوي
جاء في (خزانة الأدب):"قال ابن الشجري: وأما قوله وشرك فمن رفعه فبالعطف على اسم كان، ومرتوي في رأي أبي علي خبره. وكان حق مرتوي أن ينتصب لأنه معطوف على كفافًا، كما تقول: كان زيد جالسًا وبكر قائمًا، تريد: وكان بكر قائمًا، فكأنه قال: ليتك أو ليت الشأن كان خيرك كفافًا وكان شرك مرتويًا عني.
وأسكن ياء مرتوي في موضع النصب، لإقامة الوزن، كقول بشر:
كفى بالنأي من أسماء كافي
وكان حقه: كافيًا. وقال في المجلس الثاني: وذهب أبو علي على رواية رفع وشرك، إلى أن الخبر مرتوي، وكان حقه مرتويًا، ولكنه أسكن الياء لإقامة الوزن والقافية، وهو من الضرورات المستحسنة؛ لأنه رد حالة إلى حالتين. أعني أن الشاعر حمل حالة النصب على حالة الرفع والجر، وحسن الإخبار عن الشر بمرتوي، لأن الارتواء يكف الشارب عن الشرب، فجاز لذلك تعليق عني بمرتوي...وكلهم حمل تسكين مرتوي على الضرورة، ولم يذكر أحد منهم أنه وقف على لغة ربيعة، فإن لغتهم الوقف على المنصوب المنون بالسكون".
ويفهم من هذه النصوص أن الوقف بالسكون جائز ولكنه مخالف للغة المشتركة. وأما في الشعر فليس من الضرورة لأنه وافق لغة من لغات العرب.
أما قراءة القرآن فهي سنة متبعة فمن يقرأ بقراءة فعليه أن يلتزم بها. وقد قرئ بالوقف على تنوين المنصوب بالسكون في قوله تعالى:
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(22)}[البقرة]
قال ابن خالويه: "قوله تعالى (من السّمَاء ماء) وقوله (إلاَّ دُعاء ونِداء)، وما أشبه ذلك من الممدود المنصوب المنوّن. يقرأ عند الوقف عليه بإثبات الألف عوضًا من التنوين، وبالمدّ على الأصل. وبالقصر وطرح الألف"[1]. ثم بين حجة ذلك في قوله "والحجة لمن قصر وطرح الألف: أن يقول: الوقف يزيل الحركة في الرفع والخفض، فإذا زالت الحركة في الرفع والخفض سقط التنوين، لأنه تابع لهما، فجعل النصب قياسًا على الرفع والخفض. ويستدل على ذلك أنها مكتوبة في السواد بألف واحد"[2].
والذي ننتهي إليه أن الأفصح في الوقف على المنصوب المنون أن يكون بالألف ويجوز أن يوقف عليه بالسكون بلا ألف متابعة للغة ربيعة واستصحابًا للأصل في الوقف على المنون. وأما قراءة القرآن فتراعى طرائق القراءة المعتبرة.