صور من الماضي*

 

أعجب كثيرًا كلما نظرت في المرآة، إذ كيف يطيق الناس النظر إلى شخص باذّ الهيئة، ليس لملابسه حظّ من ترتيب ولا نصيب من جمال.

لم أكن من هؤلاء الشباب الذين يسرفون على أنفسهم في الاعتناء بمظاهرهم والاجتهاد في تنظيم بزاتهم، ولعل ذلك راجع إلى أني تربيت في بيئة فقيرة لم تكن تعلم صغارها كيف يهتمون بشؤونهم الخاصة بل إن النظافة مدعاة للسخرية في وسطنا الفقير، فلا يكاد يأتي رجل اعتنى بمظهره إلا رمقته العيون بشيء من الدهشة غير قليل، وقد ينظرون إليه بعين الإكبار إن كانت ملابسه إفرنجية وهو غريب ليس من أبناء جلدتهم، فهو لابد على قدر كبير من العلم، والفهم، أما أبناء جلدتهم ومن يعيش في وسطهم فلا يعرفون الملابس الجديدة، إلا في العيد.

كنت أذكر في صغري كيف تعمر الفرحة قلوبنا إذا جاء العيد ففي العيد تفتح (السحارة)[1] وتستخرج منها الأثواب الجديدة (ثوب الزهور، أو اللاس، أو أبوصاروخ)[2]، ويلبس هذا الثوب للصلاة ولتناول طعام العيد مع (الجماعة) وذلك في أحد الشوارع، فقد كانوا يجتمعون على صعيد واحد ويحضر كل فرد بل كل عائلة صحنًا قد ملئ بالطعام حتى إذا تجمعت الصحون وأخذ كل واحد منهم يتنقل من صحن إلى صحن فيأخذ من هذا لقمة ويزدرد من ذلك لقمة حتى يفرغ، ولابد أن يكون الإنسان حذرًا حتى لا يلوث ثوبه بالثريد والأرز أو حتى البيض المتناثر فوقهما، ولكن البيض لا يلبث أن يختفي تحت أيدي الرجال الأشداء الذين لا يبخلون أحيانًا على الصغار ببعض فتاته.

وقد لا يكون إهمالي لبزتي راجعًا إلى هذه التربية فقد عرفت شبابًا كان لهم مثل هذه التربية إلا أنهم ما استطاعوا الكسب حتى بدأوا يظهرون على الناس بهذه الأثواب القرطاسية التي يشفق صاحبها أن يصيبها ذرة من غبار أو يطير عليها شيء من مسحوق التراب إذا مست قدمه الأرض فتراه يمشي (كما يمشي الوجي العجل)، وإذا جلس على كرسي رفع أسفل ثوبه حتى لا يتجعد، فليس أمام هؤلاء النظفاء إلا الابتعاد عن المسجد أو التضحية بهذا الثوب القرطاسي أو تركه في البيت في أوقات الصلاة ولبس ثوب ملائم لهذه الحال في المسجد، فأصحاب المساجد والقائمون عليها آنذاك لا يعنون بهذه المساجد ولا يهمهم التراب والغبار الذي يملأ أرجاءه إذ يحلو لهم أن يمرغوا جباههم في هذا الغبار لأن ذلك يشهد لهم بالصلاة يوم القيامة، فسيظهر أثر السجود على وجوههم، لقد كاد يُفقِد هذا الاعتقاد صاحبك عينيه، فلقد صلى إلى جانب أحدهم وكنت أكره علوق التراب جبهتي فأضع منديلاً تحتها فما كان من هذا الذي كان إلى جانبي إلا أن أخذ حفنة من التراب ورمى بها وجهي، فثارت حفيظتي وغلى الدم في عروقي ولكن تعليله أرجعني إلى صوابي فلم يرد إلا خيرًا‘ فهو يريد أن يسم وجهي بالتراب حتى تشهد لي يوم القيامة، وكانت الصلاة في اعتقادنا كأطفال مجالاً لتقليد الكبار وإظهار الرجولة وكسب الكلمة والزلفى لدى الآباء، فقد كنت أنهض لأداء صلاة الفجر فأشعر بغير قليل من السعادة وكنت أطرب لكلمات الثناء التي تنساب إلى أذني من أفواه أهلي والمصلين في مسجدنا، ولقد طرت من فرحًا يوم صارحني أحد البدو المجاورين بأنه يحبني في الله، حقًّا لقد كان شيخًا ساذجًا.

على أن هذه الكلمات من الثناء أخذت طريقها إلى الضمور والاختفاء، فهي لاشك صارت إلى فناء بعد أن صار النوم يصرعني ويغلبني على نفسي وقت الفجر, فلم أعد أصلي إلا إذا قمت لتناول طعام الإفطار قبل الذهاب إلى المدرسة، وكنت أؤدي الصلاة بشكل أذهل الأهل فهم لا يدرون كيف تتم صلاتي بهذه السرعة وطالما سمعت التعليقات والتساؤلات حول هذه المسألة، فوالدي يزعم أني أصليها وأنا أجري بين الحمام و(القهوة)[3]، أما الآخرون فيعلقون بدون أي اكتراث أو اهتمام للأمر فأنا لا أزال صغير السن، أما أنا فلم أكن أرتاح لهذه التعليقات والتساؤلات ولم أشأ أن أدخل فيها لأني كنت خجولاً، ولأن تصرفي مضحك فعلاً، فقد كنت أستيقظ وأنا أحس أني متأخر أو حتى أخشى التأخر على المدرسة، وكان التأخر ذنبًا لا يغتفر عند مراقب المدرسة ولكني كنت أحس أنه لابد من أداء الصلاة، فصرت موزعًا بين خوفين، خوف من التأخر، وخوف من الله، هذا الأمر جعلني أحاول التوفيق بينهما، لكنه كان توفيقًا مضحكًا ينم عن جهل مطبق بقواعد الصلاة، فلقد كنت أتوضأ على عجل في الحمام الواسع حتى إذا فرغت افترشت (غترتي) في ناحية جافة منه فلم أكن على ثقة من طهارته، وأقف على هذه السجادة، وفي لمح البصر أنثني كالخيزرانة بحركات الصلاة وأتمتم بشيء من القرآن، وكنت لفرط سرعتي أكاد أقع وطالما ارتطم جبيني بالأرض من سرعة السجود والاندفاع ثم أنفتل خارجًا أعدو إلى (القهوة) المجلس حيث يكون الأهل على المائدة ولو قدر لأحدهم أن يكون في طريقي لوقع من شدة عدوي واندفاعي، على أني لا أصل باب المجلس حتى أحاول أن أكون طبيعيًّا، فألزم الهدوء والرزانة.

فإذا دخلت حشرت جسدي الدقيق بين القوم الذين التفوا حول (الوجار) -الكانون- يصطلون على النار ويتناولون طعام الإفطار أو وجبة الإفطار، ويا لها من وجبة! فهي لا تتعدى رطيبات من التمر الذي لا يخلو من بعض الحشرات الدقيقة، وفنجانًا من القهوة التي يحلو احتساؤها مع التمر، إلى ذلك كله رغيفًا من الخبز وفناجين من الحليب، هذا كل شيء، ولا يكون بعد هذه الوجبة بعد ذلك إلا التوجه إلى المدرسة، وكنت أمسك بحقيبتي التي طالما كانت تبغض إلي نفسها بما ترهقني به من أحمال، ونقضي في المدرسة ست ساعات طوال كلها عذاب ، لم نكن نحس بلذة للدراسة فقد أفسد علينا لذة العلم حب اللعب وقسوة الأساتذة وتنمرهم علينا، يفْتَنُّون في طرق تعذيب الطلاب لا لشيء إلا لأنهم لم يحفظوا الدرس، لم يحفظوا جدول الضرب، فلابد من الضرب، لقد كان كل شيء يحفظ، وكان كل شيء لذلك يبغض، لقد كره الصبية الدراسة وكرهوا ما تجر عليهم من أسباب الضرب، لقد كانت شيئًا قاسيًا، ولو أنك رأيت وجوه الصبية لهالك الفزع الذي يغلف ملامحها والهلع الذي يملأ القلوب والعذاب الذي يطلع على الأفئدة، والنظرات الشاردة والنظرات المتحفزة المترقبة التي تتطلع بترقب وحذر إلى زميلهم الذي يقرأ وأسنانه التي يقرع بعضها بعضًا من الارتجاف، كانت الأنفاس تعد الثواني الطويلة وكلها آذان تترقب صفارة المراقب تؤذن بانتهاء المحنة وانجلاء الغمة، كان أسعد الناس الذي تأخر بكرسيه فنأى عن البوابة، وكان الأول هو من يبدأ بالقراءة والآخرون يعدون، كل يعد من يسبقه من طلبة ويأمل ألاّ يصله الدور، وويل لمن لم يحفظ فلسوف تلهب يده بالعصا، أو (المصطعة) ولكم كانت قاسية هذه المسطعة لقد كانت مثقبة تمتص جلد اليد إذا هوت عليها، لم يكن ثمة شفيع يطاع، ولم يكن ثمة عذر يقبل، لقد كان الصبية كلهم يحتجون، ولكن حججهم لا تزيد المدرس إلا غضبًا، ولقد كنت أذكر أستاذًا يدرس التاريخ عمد إلى الكتاب فوضع أسئلة لكل باب وأجاب على كل سؤال، وأملى كل ذلك على الطلبة وألزمهم بحفظه وكان يمسك بدفتره ويسألهم واحدًا واحدًا وكان يحضر معه كمية من العصي التي قطعها من شجر (الأثل) لقد كانت لينة كالخيزران لكن هذه العصي كانت تدخل الفصل فلا يكون لها نصيب من خروج، إذ كانت تقضي نحبها على أيدي هؤلاء المساكين.

على أنه ما أن ألهب المدرس أيدينا بالضرب حتى عقدنا العزم وأخذنا على أنفسنا العهود والمواثيق لننتقمن، ولكن ممن؟ من تلامذتنا طبعًا، فلسوف نلهب أيديهم وأرجلهم من خلاف متى صرنا مدرسين وحق لنا التسلط فسنشفي ما في أنفسنا من غل.

لقد كانت عذابًا دروس الحفظ، لم يكن يسعد الصبية إلا بدروس معدودات، وبمناسبات نادرة، إنك لا تدرك مقدار سعادتهم بحصص التربية الرياضية التي تنفس عما يجدونه في أنفسهم من ضيق بالدراسة وعذاب في الفصول، ولكن حصة الرياضة نفسها لم تكن تخلو من النكد والتنغيص، فقد كان الأستاذ يرهقهم بألوان من المقدمات الروتينية من ركض وتمارين سويدية رتيبة، ولم يكن لهم بدّ من ذلك، وليس لهم اعتراض، ولكنك لو تحسست صدر أحدهم لوجدت مرجل الغيظ يغلي ونار الغضب تتلهب، على أن النار تخمد والمرجل يهدأ حينما يسلم الأستاذ إليهم الكرة فيتعاورونها بينهم بشوق فتلاقي منهم ما تلاقي. على أن أجمل الحصص بحق هي حصة التربية الفنية، أو ما تسمى بحصة (الرسم) فهي حصة لذيذة الطعم سهلة الهضم، ولا سيما أن الامتحان فيها شكلي لا رسوب به وهي ليست سوى فترة من اللهو الذي ينسيهم من عذاب الدراسة. وبالغم من تقليدية ما يرسمون فإنهم لا يجدون في أنفسهم مللاً لإعادة رسم ما رسم من قبل بل إنهم لا يحسنون رسم غيره، فليسوا يحسنون غير رسم أدوات القهوة والشاي، أو المزهرية التي يرسمها الأستاذ لهم على السبورة، أما المناظر الطبيعية فإنها لا تخرج الصورة التي ترسم لهم أو يرسمونها عن عناصر أربعة لا يحيد الطالب عنها وهي السلسلة الجبلية والنهر المنحدر والنخل الذي يبدعون في وضعه في غير موضعه، وزرعه على كثبان الرمل أو فوق قمم الجبال، أما العنصر الرابع فهو بيت الشعر أو بيت الطين، كانت هذه العناصر تتكرر ولكن الطلبة يختلفون في التلوين الشخصي، عند بعضهم تكون محدبة وعند بعضم حادة.

ولم يكن يسعد الطلبة كسعادتهم بالأيام التي يدرسهم آخرون غير أساتذتهم، وهؤلاء هم طلبة معهد المعلمين الذين يجرون تجاربهم على طلبة المدارس، لم يكن عادة هؤلاء الخشونة، بل كلهم عطف وشفقة، وكلهم امتاع ومؤانسة، فلقد كانوا حريصين على إلقاء الدرس إلقاءً جيدًا، ولقد كانوا حريصين على جلب وسائل توضيحية من رسوم جميلة وأدوات جديدة لم يكن لهؤلاء الصبية بها سابق علم، على أن أفضل ما في الأمر أن أيديهم تسلم من الضرب لعدة أيام تصير بالنسبة لهم عيدًا سعيدًا، على أنّ هذه النشوة ينغصها أنها محدودة وأن الضرب سيستأنف بعدها ولا شك.

لقد أحببنا يوم الخميس لأنه بشير الجمعة لأنها بشير السبت وأبغضنا السبت لأنه بشير الدراسة، ولأن الدراسة عذاب، وعذاب...

 


 

* نشرت في مجلة (الفكر)، كلية الآداب، جامعة الملك الرياض (جامعة الملك سعود)، العدد الأول، محرم 1392 ﻫ، ص 8-11.

[1] السحارة: هي الشنة أو صندوق من حديد.

[2] هي أسماء ثياب كالتترون.

[3] المجلس أو الديوانية.

رجوع